الحارث المحاسبي
23
الرعاية لحقوق الله
بين الحارث بن أسد والمحدثين لقد كان العصر الذي عاش فيه الحارث رحمه الله زاخرا بأئمة الحديث ورجاله المهتمين بروايته وحفظه وجمعه والرحلة في طلبه ، وقد كان لهم منهجهم المتميز في الفقه والتعامل مع النصوص ، كما كان لهم رأى ناقد لكل من خالف طريقتهم من أهل الرأي أو المتكلمين أو المتصوفة . فقد كان كثير من أئمة الحديث يرفض الكلام في الدين بغير نص ، وينظر إلى المتكلمين برأيهم أو ذوقهم نظرة إنكار ولو كانوا يدافعون عن الدين ، ويردون على الباطل ، فهذا عبد الرحمن بن مهدي ( ت 198 ) شيخ الإمام أحمد بن حنبل يقول : « يحرم على الرجل أن يقول في أمر الدين إلا شيئا سمعه من ثقة » « 1 » وحين ذكر عنده أهل الرأي قال : لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [ المائدة : 77 ] « 2 » . وقيل له : إن فلانا قد صنف كتابا في السنة ردا على فلان فقال : ردا بكتاب الله وسنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قيل : بكلام . قال : « رد باطلا بباطل » « 3 » وهذا يدل على أن هذه الطائفة من المحدثين كانت ترفض مبدأ الرد على الخصوم بنفس طريقة الخصوم ، وتعتبر أن من فعل ذلك فقد رد باطلا بباطل . بل كانوا يواجهون بالتجريح أهل الرأي ، ويردون مروياتهم في بعض الأحيان « 4 » .
--> ( 1 ) حلية الأولياء 9 / 3 . ( 2 ) حلية الأولياء 9 / 10 . ( 3 ) حلية الأولياء 9 / 10 . ( 4 ) انظر : رسالتي للدكتوراه « السنة النبوية بين أهل الحديث وأهل الرأي » ص 117 ، 118 .